مدخل: ثنائية الإله الغائب والإله المفقود
الإلحاد المعاصر، بخلاف صورته التقليدية البسيطة كنفي مباشر لوجود الإله، يتشكل في أعماقه كظاهرة فلسفية معقدة تجمع بين موقف معرفي وانزياح وجودي، إنه ليس مجرد إنكار، بل هو في جوهره استجابة للعالم الحديث الذي فقدت فيه فكرة الله حضورها المركزي في التجربة الإنسانية، إنه يمثل تحولاً جوهرياً في الموقف الإنساني إزاء المطلق، تحولاً ينبثق من رحم العالم الحديث بكل تعقيداته وتشظياته، فهنا لم يعد الأمر متعلقاً بحجاج معرفي جاف حول وجود أو عدم وجود كيان علوي فحسب، بل هو بالأساس استجابةٌ عميقة ومتأملة لواقعٍ إنساني فقدت فيه فكرة الله تدريجياً مركزيتها المصيرية، وتراجعت من كونها اليقين المؤسس للحياة والكون، إلى مجرد احتمالٍ من بين احتمالات عدَّة في فضاء الفكر والتجربة.
وهذا الانزياح من الموقف المعرفي البحت إلى الانزياح الوجودي، يعكس أزمةَ حضورٍ أكثر مما يعكس قناعةً بعدم الوجود، إنه تعبير عن إحساسٍ ملموس بالغياب، عن صمت السماء في زمن الضجيج الأرضي، حيث لم يعد المقدس يشعُّ في قلب الحياة اليومية، بل أصبح أشبه بذكرى بعيدة أو سؤالٍ معلق في هوامش الوجود، وبالتالي فإن الإلحاد المعاصر، في تجلياته الأكثر نضجاً، ليس إنكاراً بسيطاً للإله بقدر ما هو تشخيصٌ لحالة انسحاب المطلق من المسرح المباشر للتجربة الإنسانية، وتحول العلاقة مع فكرته من يقينٍ حيّ إلى إشكاليةٍ تأملية أو إلى غيابٍ يُحسّ به، حتى لو كان هذا الغياب موضوعَ إنكارٍ نظري، فإنه صدىً لروح العصر التي تواجه العالم بوصفه كياناً مغلقاً على ذاته، تسوسه قوانينه المادية وتاريخيته الخاصة، دون حاجة ظاهرة إلى مرجع مفارق يمنحه المعنى من خارجه.
1 - الموقف المعرفي
لطالما مثّل الإلحاد، في جوهره المعرفي الكلاسيكي، موقفاً فلسفياً صارماً ينبثق من رغبة العقل في تمحيص اليقينيات وتفكيك المسلّمات الميتافيزيقية، فهو ليس رفضاً عشوائياً، بل استجابةً نقدية مؤسسة على أدلة عقلانية ومناهج تفكير تضع مفهوم الإله تحت مجهر التشكيك المنهجي، وفي هذا السياق، يظهر لودفيج فويرباخ (Ludwig Feuerbach) كنقطة تحوُّل حاسمة، حيث يحوِّل السؤال من "هل الله موجود؟" إلى "من أين أتت فكرة الله؟" فيرى في عمله المؤثر "جوهر المسيحية" (The essence of Christianity) عام 1841،أن الإله ليس سوى مرآة عاكسة للكينونة البشرية في أبهى صُوَرها، إسقاطاً للطاقات الإنسانية المثالية والمخاوف الوجودية مجسّدة في كيان مفارق، فالإنسان حسب فويرباخ، يغترب عن جوهره الأصيل وينقله إلى سماء وهمية، ليعبد في الحقيقة صورةً مكبّرة من ذاته.
ومع تقدم النقد الجذري، يأتي كارل ماركس (Karl Marx) ليدفع بهذا التحليل من المستوى النفسي والفردي إلى حيز المجتمع والصراع التاريخي، فيصف الدين من خلال عملة الرائع "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل" عام 1844، بأن "الدين هو زفرة المخلوق المضطهد، وقلب عالم لا قلب له، وروح أوضاع لا روح لها. إنه أفيون الشعب" (das Opium des Volks)، أداةً طيّعة في يد القوى المسيطرة لتخدير الوعي الطبقي وإلهاء الإنسان عن ظروف اغترابه المادي الحقيقية، وهكذا يرتبط إنكار الله، في الرؤية الماركسية، بمشروع التحرر الشامل: فسقوط الإله هو الخطوة الأولى الضرورية لاستعادة الإنسان لقواه المغتربة وإعادة توجيه طاقته نحو تحويل عالمه الواقعي، بدلاً من انتظار الخلاص في عالم آتٍ.
أما في السياق الأنجلو- سكسوني التحليلي، فيأتي برتراند راسل (Bertrand Russell)، ليمثل نموذجاً صارماً للعقلانية العلمية المتشككة، مقدّماً في مقاله الشهير "لماذا لست مسيحياً" (Why I Am Not a Christian) عام 1927، تفنيداً منهجياً للحجج التقليدية لوجود الله، من حجة السبب الأول التي تسأل عن علَّة الكون، إلى الحجة الغائية التي تستدل بالنسق البديع على وجود مصمم، ويرفض راسل تحمّل عبء الإثبات، ويصرّ على أن العبء يقع على المؤمن الذي يطرح الادعاء الاستثنائي بوجود كائن خارق؛ فالفكرة التي لا يمكن إخضاعها للفحص التجريبي أو البرهان المنطقي الصارم لا تستحق، في معيار العقلانية العلمية، أن تُعتبر أكثر من فرضية لا دليل عليها، وفي غياب أدلة قاطعة وملموسة، يصبح تعليق الإيمان - أو حتى رفضه - هو الموقف الفلسفي الأمثل والأكثر اتساقاً مع منطق العلم والأخلاق، وهكذا يتجلى الإلحاد الكلاسيكي، عبر هذه التمظهرات المتعددة، كبناء معرفي متراكم، يسعى ليس فقط إلى نفي الوجود الإلهي، بل إلى تفسير ظاهرة الإيمان نفسها، وكشف الجذور النفسية والاجتماعية والمنطقية التي تنتجها وتستند إليها.
2 - الإلحاد كتجربة وجودية
إلّا أن الإلحاد لا يظلّ حبيسَ المجال النظري المجرد للجدل المعرفي، بل يخترق في تمظهراته المعاصرة الأكثر دلالة، حيِّز التجربة الحيَّة والمعاشة، فهو يتحوَّل من موقف فكري يجادل حول الوجود والعدم، إلى حالة وجودية تتمثل في اختبار عالمٍ يبدو فيه الغياب الإلهي معطىً أوليَّاً من معطيات الوعي الحديث، إنه إحساسٌ بالقطيعة، بانكفاء السماء على ذاتها، وانسحاب المطلق من الفضاء المباشر للحياة اليومية، تاركاً الإنسان وحيداً أمام كون صامت لا ينطق بأي كلمة مقدسة، وفي هذه المساحة، يولد الإلحاد كاستجابة لهذا الغياب المحسوس، لا كاستنتاج لمنطق مجرد فحسب، وهنا تتجلى ثنائية عميقة تُشكِّل قلب هذه التجربة: أوَّلها الإدراكُ الحسِّي لعالمٍ فقدَ قدرته على استضافة المقدس أو الإشارة إليه، وعالمٍ أُغلِقَتْ أبوابه الميتافيزيقية ليصير كلاً مادياً مستقلاً بذاته، وثانيهما الوعيُ المصاحب لهذا الإدراك، وهو وعيُ الإنسان الحديث بذاته ككائنٍ وحيدٍ، مُلقىً به في هذا الفضاء المغلق، يحمل عبء معناه ومسؤولية قيمه دون سند متعالي، في مواجهة صمته الكوني الرهيب، وهذا الانتقال من الإلحاد كفكرة إلى الإلحاد كحالة وجودية، هو ما يعمِّق إشكاليته ويجعل منه ظاهرةً مركزيةً في تشخيص روح العصر وقلقه الجوهري.
أولاً: العالم المفقود للسكن الإلهي عندما يتأمل الفكرُ الفلسفي في تلك الهوة السحيقة التي تفصل العالم القديم الموشوم بحضور المقدس عن عالمنا الحديث، يبرز مفهوم "العالم المفقود للسكن الإلهي" ليس كمجازٍ شعري فحسب، بل كتشخيصٍ دقيق للشرط الوجودي المعاصر، فهنا وبصوتٍ يشبه همس النبوءة الحزينة، يتحدث مارتن هايدغر (Martin Heidegger) عن ظاهرة "انحجاب المقدس" أو "هروب الآلهة" (Entzug des Heiligen / Flucht der Götter) 1927، وهذا ليس مجرد غياب تاريخي، بل هو الحدث الميتافيزيقي المركزي لعصرنا: فالعالم لم يعد "بيتاً" للوجود الإلهي أو مسرحاً لظهوره، فهذه الظاهرة ليست مجرد سمة عابرة، بل هي السمة التأسيسية والمصيرية التي تشكل الجوهر الخفي للعالم الحديث برمته، إنها القالب الوجودي الذي يصبغ فيه نمط التفكير التقني كل مظاهر الحياة، من العلاقة مع الطبيعة إلى فهم الذات الإنسانية، حيث لم يعد الوجود يُختبر كمعجزة مُتاحة للتأمل والدهشة، بل كموردٍ للاستخدام والحساب.
وفي هذا العالم المُسيَّر بمنطق الكمّ والكفاءة، لم يعد الإله موضوعاً للنفي الجدلي وحسب، بل تحوّل إلى غائبٍ جوهرياً عن نمط عيش الإنسان وطريقة وجوده؛ لقد أغلق العقل التكنوقراطي نوافذ السماء الواحدة تلو الأخرى، وحوَّل العالم إلى "مستودع" (Bestand) ضخم، من الموارد القابلة للحساب والاستخدام، يطمس إمكانية تجلي المُقَدَّس، بحيث يحل المنطق الحسابي والضبط التقني، وتتراجع المساحة التي يمكن أن يظهر فيها الوجود كمعجزة، وبالتالي فإن هذا "الانسحاب" ليس فراغاً سلبياً فحسب، بل هو الصورةالأكثر إلحاحاً للحضور؛ إنه الندبة التي تشير إلى الجرح الذي أحدثه غياب المطلق، إنه في نهاية المطاف، الشرط الذي يجعل من أي حديث عن المقدس في عالمنا الحديث محكوماً بالحنين إلى عالمٍ لم يعد بيتاً، وبالانتظار أمام أبواب قد لا تُفتح.
وفي هذا الصمت الميتافيزيقي ذاته، يلتقط سورين كيركجارد (Søren Kierkegaard)، رغم كونه حاملاً لواء الإيمان في مواجهة العقل المجرد، نبض القلق الوجودي الذي ينبض في صدر الإنسان الحديث، ففي تحليله العميق في "مرض نحو الموت" (Sygdommen til Døden) عام 1849، للقلق الناجم عن العيش دون ضمانات مطلقة، دون أرضية صلبة من المعنى المُسْبَق، فإنه يرسم بالضبط ملامح الحالة التي يتنفس في جوهرها الملحد المعاصر، فإن القلق (Angest) الذي يتحدث عنه كيركجارد - ذلك الرعشة التي تنتاب الوعي وهو يطل على هوة احتمالية العيش في كونٍ صامت - لم يعد مرضاً استثنائياً، بل صار الأساسَ الطبيعي والشرطَ الأولي للوجود في عالمٍ انسحب منه السكن الإلهي، وهكذا يصوِّر كيركجارد لحظةَ المواجهة الصادمة حيث يدرك الفرد أن الأخلاق المطلقة والمعنى الجاهز قد تلاشيا، تاركين له عبء الاختيار ورعب المسؤولية عن خلاصه الذاتي في عالم لا يقدم وعودًا، وهكذا بين هايدغر الذي يشخص غياب المقدس من العالم، وكيركجارد الذي يحلل رعشة الذات في مواجهة هذا الغياب، تتشكّل جغرافيا ذلك العالم الفقيد، حيث لم يعد السؤال "هل الله موجود؟" هو الأكثر إلحاحاً، بل "كيف نعيش في عالم لم يعد بيتاً للإله، وكيف نواجه ذواتنا في فضاءٍ من القلق الخلاق، حيث تولد حريتنا المطلقة من رحم غياب الضمانات الأبدية؟".
ثانياً: موت الإله كنهاية للمعاني الكبرى: يُشكّل إعلان فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche) الصاعق عن "موت الإله" (Gott ist tot) في صفحات "العلم المرح" (Die fröhliche Wissenschaft) عام 1882، لحظةَ قطيعةٍ مصيرية في تاريخ الضمير الغربي، فهي ليست هتاف انتصارٍ بقدر ما هي تشخيصٌ مأساوي لأعظم أزمةٍ وجودية، إنها النبأ الفاجع بأن القيمة المطلقة التي كانت تشعّ من أعلى كمرجعية عليا لكل معنى وللقيم الأخلاقية، قد انطفأ نورها إلى الأبد، وهذا الموت ليس حدثاً لاهوتياً فحسب، بل هو الزلزال الذي يهدم أسس العالم القديم برمته؛ فمع انهيار هذا الأساس المتعالي، تنهار معه كل المعاني الكبرى الجاهزة، والأخلاق المطلقة، والغايات المُسَبَّقة، ويترك هذا الإنسانَ وحيداً في فضاءٍ كوني خالٍ من الضمانات، ملقىً عليه عبءً لم يَعُدْ هائلاً فحسب، بل مؤسِّساً لوجوده، وهكذا تتحول اللحظة من نهاية إلى بداية مُرعبة ومُشرعة: فالمهمة الجديدة التي يطرحها نيتشه هي خلق القيم من العدم، في عالمٍ لم يعد يحتمل الأوهام القديمة، فيخلق الإنسان قيمه بيديه، من العدم، وأن يصير هو نفسه مشرعاً في صحراء لا معالم فيها.
ومن ركام هذا العالم الذي لم يَعُد يحتمل الأوهام المتعالية، يولد البطل العبثي لألبير كامو (Albert Camus) ففي "أسطورة سيزيف" (Le Mythe de Sisyphe) عام 1942، يقدم ألبير كامو ليس مجرد تحليل فلسفي، بل صورة كونية للإنسان في مواجهة العدم، إنه الوجه الإنساني الذي يواجه بوعيٍ صارم، عبثية الكون وصمته الرهيب، دون أن يلتمس ملاذاً في وهمٍ مريح، إن سيزيف الذي يُكابد دحرجة صخرته إلى قمة الجبل لتهوي مرة أخرى، هو الاستعارة الكاملة لهذا المصير، ولكن العبث لا يُقهر بالانتحار ولا بالإيمان الواهم، بل بالتمرد، والتمرد الذي يعني الإصرار على دفع الصخرة رغم علمه بالهوة القادمة، والاستمرار في العيش بشجاعةٍ ووضوح داخل تلك الصحراء الخالية من المعنى، وبذلك ينتزع كرامته من فكّي القَدَر، وهكذا بين نيتشه الذي يحطّم الأصنام القديمة ليفسح المجال للإنسان الخلّاق، وكامو الذي يجد كرامة الإنسان في تحديه الهادئ لذلك العبث، تكتمل دائرة واحدة: موت الإله ليس النهاية، بل هو البداية المؤلمة والمجيدة لمسؤولية الإنسان الكاملة عن عالمه ونفسه، حيث يصير التمرد على العدم هو المصدر الوحيد للمعنى.
3 - الإلحاد في عصر ما بعد الحداثة
يمثل عصر ما بعد الحداثة تحولاً جذرياً في مقاربة فكرة الإله، حيث لم يعد السؤال يدور حول الإثبات أو النفي المباشرين، بل انتقل إلى تشريح الظروف التي تجعل الحديث عن "الوجود" ذاته مشكلة فلسفية، فلم يعد "الموت" الذي أعلنه نيتشه حدثاً مأساوياً يُندب، بل تحول إلى "شرط وجودي" أولي، وأرضية جديدة للتفكير، ففي هذا الفضاء الجديد، يتحول الغياب من حالة سلبية إلى واقع معقد، يُفهم من خلال آليات اللغة والنص التي تنتجه وتعيد إنتاجه باستمرار. وفي قلب هذا المنعطف يقف جاك دريدا (Jacques Derrida)، ليس كمنكر للإله، بل كمحلل لآثار غيابه البنيوية في نسيج ثقافتنا، ومن خلال منهج التفكيك، يكشف دريدا عن أن ما نعيشه ليس "نهاية الله"، بل "اختفاءه"، وهذا الاختفاء لا يعني انمحاء كلياً، بل تحولاً إلى "أثر" (Trace) لا يزال فاعلاً، ففكرة الإله، كمركز سابق للوجود والمعنى، قد تراجعت من كونها حاضرةً حضوراً ميتافيزيقياً مباشراً، لتصير غياباً مؤسساً ومهيمناً، حاضراً في ثقافتنا وبنى لغتنا ومنطقنا الذي لايزال يحمل آثار هذا المركز المفقود، فإن اللغة نفسها في نظر دريدا، تعمل بنظام من الاختلافات والإحالات التي لا تنتهي، حيث المعنى "مؤجل" باستمرار ولا يوجد أصل حاضر بالكامل، وهكذا يصبح الحديث عن الإله محكوماً بهذه البنية اللغوية، مما يجعل الغياب سمة ملازمة لأي حديث عنه، حتى وإن حاول تأكيد حضوره. وضمن هذا المشهد، تأتي محاولة جان- لوك ماريون (Jean-Luc Marion) كمحاولة خلاقة للتفكير خارج الصندوق الميتافيزيقي التقليدي، ويطرح ماريون فكرة "الإله بدون وجود" Dieu sans) l'être)، محاولاً تحرير فكرة الله من حبسها ضمن مقولة "الوجود" كما حددها الفكر الفلسفي الغربي منذ أرسطو، فالميتافيزيقا في نظره، جعلت من الإله الكائن الأعلى ضمن هرم الكائنات، وبالتالي خضعته لمقولات الفهم البشري، ويقترح ماريون الاقتراب من الله لا بصفته "الكائن" الذي يمكن إثبات وجوده أو نفيه، بل بصفته "الموهوب" أو "العطية المحضة" (le donné) التي تفيض بالحضور قبل أي سؤال عن الوجود، وهذا الطرح يفتح باباً فلسفياً مدهشاً: إمكانية علاقة جديدة مع المقدس لا تمر بالضرورة عبر بوابة الإيمان التقليدي أو الإلحاد الكلاسيكي، بل عبر خبرة الاستقبال والتلقي لما يتجاوز حدود الكينونة، وبالتالي قد يجد الملحد المعاصر، الذي يرفض صورة الإله الميتافيزيقية، مساراً للتفكير في المطلق من خلال استيعاب فكرة العطية والفيض التي لا تنتمي لعالم الموجودات المحسوبة.
وهكذا، يصوغ عصر ما بعد الحداثة إلحاداً من نوع خاص، ليس قائماً على يقين النفي، بل على الاعتراف بغياب أصبح سمة أساسية من سمات الوعي واللغة، إنه إلحاد يعيش مع الأثر، ويسائل الشروط التي جعلت الغياب ممكناً، بل ومؤسساً، وفي الوقت ذاته، يفتح هذا العصر، من خلال قراءات مثل قراءة ماريون، احتمالية لمفاهيم جديدة للمطلق، تكون علاقتنا بها خارج ثنائية الوجود والعدم التي ورثناها، لتدخل في فضاء الإعطاء والتلقي، حيث يصبح الغياب نفسه، ربما الصورة الأكثر ثراءً لحضور لا يمكن حصره.
4 - الإلحاد الجديد والعلم الحديث
يمثل ظهور ما يُعرف بالإلحاد الجديد، عبر أبرز وجوهه مثل ريتشارد دوكينز وكريستوفر هيتشنز وسام هاريس، تحولاً جذرياً في خطاب الإنكار الإلهي، حيث ينتقل النقاش من الساحات الفلسفية التأملية إلى ساحة العلوم الطبيعية الصارمة، ففي هذا التوجه، لا ينفصل رفض فكرة الله عن إيمان حاسم بسيادة المنهج العلمي التجريبي، الذي يُرفع إلى مصاف الطريق الوحيد والأوحد للمعرفة الموثوقة والموضوعية عن العالم، ويُصاغ الرفض هنا ليس فقط بلغة الشك الميتافيزيقي، بل بلغة الدليل القابل للقياس والملاحظة والتفنيد، في محاولة لاستعادة حقول الغيب والروحانيات والمطلق، وإخضاعها لمقاييس المختبر ومعادلات الفيزياء.
ولكن حتى في قلب هذه العقلانية العلمية المتصلبة، ينبثق بعدٌ وجودي عميق لا يمكن إغفاله، فالعلم الحديث، بقدرته المذهلة على كشف طبقات الواقع من الكواركات إلى المجرات، يقدم صورة للكون تعمل بقوانين ذاتية متماسكة، لا تظهر فيها حاجة واضحة أو "فراغ" يستلزم فرضية الخالق لسدّه، وهذا الإنجاز المعرفي الهائل لا يقتصر على تقديم تفسيرات بديلة لظواهر كانت حكراً على الدين، بل يولد شعوراً وجودياً فريداً: شعوراً بعدم الحاجة، فإنه الإحساس بأن العالم مكتفٍ بذاته، متماسك في قوانينه، واضح في ماديَّته، إلى درجة أن فكرة الإله - حتى لو كانت ممكنة منطقياً - تتحول إلى فرضية زائدة عن الحاجة العلمية، وكمالية لا يقتضيها فهمنا للكون والحياة، وهكذا يتحول الإلحاد الجديد من كونه موقفاً معرفياً قائماً على نقص الأدلة، إلى موقف وجودي قائم على اكتمال الصورة العلمية واستغنائها عن أي متعالي خارج أطرها المادية، ولم يعد السؤال: "هل يمكن إثبات وجود الله؟" بل أصبح: "ما الحاجة المعرفية أو التفسيرية التي يلبيها افتراض وجوده في كونٍ تُفسره قوانين الطبيعة بشكل وافٍ؟" في هذه النقلة، يصبح غياب الله افتراضاً علمياً مريحاً قبل أن يكون استنتاجاً فلسفياً حاسماً.
5 - التحليل النهائي
يتجلى التحليل النهائي للإلحاد المعاصر، إذا أمعنّا النظر، على أنه ظاهرة هجينة ومعقدة تتجاوز الثنائيات البسيطة بين الإيمان والكفر، لتصنع لنفسها كياناً فلسفياً فريداً، فهو ليس مجرد حصيلة منطقية لرفض معرفي منهجي للحجج الميتافيزيقية التقليدية، ولا هو فقط تعبير عن تجربة وجودية خالصة للعالم بوصفه مجالاً مغلقاً ومكتفياً بذاته، لا يتخلله حضورٌ مفارق ولا تشعه إشارات مقدسة، وهو أيضاً وبعمق لا يقل أهمية، استجابة ثقافية بالغة الدقة لزمنٍ تاريخي فقدت فيه المؤسسات الدينية احتكارها لسلطة الحقيقة والسلطة الأخلاقية، وتحولت فيه العلاقة مع المطلق من قضية جماعية مؤسساتية إلى مسألة شخصية داخلية، فإن تلاحم هذه الأبعاد المعرفية والوجودية والثقافية هو ما يمنح الإلحاد المعاصر سمته الأبرز: كونه تجاوزاً للثنائية ذاتها التي تحاول حصره ضمنها.
ومن هنا تنبثق الفكرة الأكثر جوهرية: لقد أضحى الإلحاد المعاصر، في تعبيراته الأكثر نضجاً، إدراكاً متبلوراً بأن الجدال المجرد حول وجود الله قد استنفد معناه الأصلي وفقد قدرته على الإمساك بالإشكالية الحقيقية، ففي عالمٍ تحوّلت فيه مسألة المطلق إلى شأنٍ شخصي بحت، غارق في خصوصية التجربة الفردية، لم يعد الهمّ المركزي يدور حول الإثبات أو النفي بمعناهما الميتافيزيقي القديم، بل إن الوزن الوجودي لكل من الإنكار والإيمان قد تبدل جذرياً؛ فلم يعد النفي يحمل وقع الصدمة القديمة، ولم يعد الإثبات يمنح ذلك اليقين السابق، لقد تقلصت المساحة العامة للمناظرة، واتسعت رحابة المساحة الداخلية للتجربة والصمت، وهكذا فإن الإلحاد المعاصر، في تحوله هذا، لا يعلن انتصاراً لفكرة على أخرى، بل يشير إلى تحولٍ أعمق في بنية الوعي الإنساني ذاته، حيث يتراجع السؤال عن "الوجود الموضوعي" ليفسح المجال لسؤال أكثر إلحاحاً عن "معنى العيش" في عالمٍ أصبحت كل إجاباته، المؤقتة والمحدودة، من صنع يد الإنسان الوحيد، الذي يواجه عزلته وحرّيته في آن معاً.
خاتمة: الإلحاد كصدى للغياب
في الخاتمة المتأملة، يتبدى لنا الإلحاد المعاصر، في أعمق تمظهراته الفلسفية وأصدق تعبيراته الوجودية، باعتباره ظاهرة تتجاوز بكثير حَدَّ الإنكار البسيط لوجود الإله، إنه في جوهره، اعترافٌ صامتٌ وواعٍ بحقيقةٍ أكثر إيلاماً وتعقيداً: وهي أن الله، بصرف النظر عن الجدل الميتافيزيقي حول كينونته الموضوعية، قد توارى عن ساحة التجربة الإنسانية المباشرة وفقد حضوره الحيوي كقوة مؤثرة في تشكيل وعي الإنسان وتوجيه مصيره، فهو ليس رفضاً للمفهوم فحسب، بل هو بالأحرى الصدى الطويل للغياب، والارتجاس الوجودي الناتج عن تحول جذري في بنية الوعي نفسه، حيث انسحب المطلق من العالم كمرجعية فاعلة، ليبقى غائباً حتى لو كانت الحجج النظرية تنص على وجوده.
ومن هذا المنطلق، يشهد السؤال المحوري تحولاً مصيرياً؛ فهو لم يعد ذلك الاستفهام التقليدي المباشر: "هل الله موجود؟"، بل أضحى تساؤلاً أكثر إرباكاً وثراءً: "ماذا يعني للبشرية أن تعيش في كونٍ يُختبر داخلياً وخارجياً على أنه مجالٌ مستقل، حيث لا يشكل الإله - حتى في فرضية وجوده - حقيقةً فاعلةً في النسيج اليومي للحياة، أو مُنْتِجَةً للمعنى في صميم التجربة؟"، وهذا التحول في صيغة السؤال، من الوجود إلى الدلالة، ومن الميتافيزيقا إلى الوجودية، هو لبّ الإلحاد المعاصر وجوهره الأصيل، فهو في نهاية المطاف، ليس موقفاً جدلياً يهدف إلى النفي بقدر ما هو تشخيصٌ فلسفي دقيق لوضعية إنسانية جديدة، وُلدت في رحم عالمٍ انحسرت فيه السماء عن الأرض، وتقطعت فيه أوصال العالم المادي عن أي مرجعية متعالية، تاركةً الإنسان وحيداً أمام مسؤولية خلق معناه، وصانعاً لقيمه في فضاء من الحرية المطلقة والعبث المحتمل، يحمل في صميمه ذلك الصدى الحزين للغياب الذي لم يعد فراغاً فقط، بل أصبح الشرط الأول والأخير للإبداع البشري في العصر الحديث.
----------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






